مؤسسة آل البيت ( ع )
68
مجلة تراثنا
وقد وصف المحسن والمحسنون بأن رحمة الله قريب منهم ، وأن الله يحبهم ، وأن الله لمعهم معية خاصة غير معيته القيومية على كل مخلوق ( 1 ) ، فالآية لم تكتف بوصف القسم الثالث بأنهم تابعون للأولين السابقين ، بل ضيقت الدائرة إلى كون تبعيتهم بإحسان ، والإحسان والمحسن مقام فوق مقام العدل والعدالة . وكذلك الحال في القسمين الأول والثاني ، فإنه لم يبق على دائرته الوسيعة ، فضيق بحدود " السابقين " ، وهذه الدائرة لم تبق على حالها ، بل ضيقت إلى دائرة " أول السابقين " ، فلا بد - والحال هذه - من تمحيص وفهم دلالة الكلام ، ألا ترى أن سورة المدثر - وهي رابع سورة نزلت على النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في مكة - أنها تقسم الموجودين حينذاك إلى أربعة أقسام ، هي : المؤمنون ، وأهل الكتاب ، والمشركون ، والذين في قلوبهم مرض ، فلو كان المراد هو من سبق بإظهار الإسلام من المهاجرين ، فأين هم الذين في قلوبهم مرض ، ويستترون بالإسلام عن إظهاره ؟ ! فبكل ذلك ، مع ما ذكرنا من النقاط العامة ، يقع القارئ على المراد في الآية الكريمة . ثم إنه لا يخفى على القارئ أن الآية هي من سورة التوبة ، وقد استعرضت السورة نماذج عديدة سيئة ممن عايش النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولقيه ، فمثلا فيها : * ( ويحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا ) * ( 2 ) فإنها نزلت في غزوة تبوك ، وبعد
--> ( 1 ) أنظر : سورة النحل 16 : 128 ، سورة آل عمران 3 : 134 ، سورة المائدة 5 : 13 ، سورة الأعراف 7 : 56 . ( 2 ) سورة التوبة 9 : 74 .